السيد نعمة الله الجزائري

49

الأنوار النعمانية

شمع موقد بالنار والناس في النّظارة فعند رؤية الصنم توقد النّار على رأسه فيحترق بالتدريج من قرنه إلى قدمه وهو يصبر على عشق الصّنم فيقتسم الناس رماده صرّة للتبرك ، لصدقه في دعوى محبّة الصنم ، ويعلمون الكاذب بفراره وعدم صبره على النار في سبيله فيقتلونه . وأيضا قد نقل لنا متواترا في هذه الأعصار انّ جماعة من أهل الهند ممّن يعبد النار إذا مات الرجل منهم أحرقوه في النار ، وعمدوا إلى زوجته وزيّنوها وحلّوها بأنواع الحلي والحلل وأتى بها أهلها وقومها إلى تلك النار فرمت بنفسها في تلك النار حتى لا تبقى بعد زوجها ، وان خافت من تلك النار قال أهلها : انّها ارتدت عن الدين وخافت من المعبود الذي هو النار ، فيحللونها على المسلمين وكل من حضر من المسلمين يأخذها منهم ، فهم يحبون النار هكذا وامّا أنت ايّها المرائي ففي يومك الواحد بل ساعتك الواحدة تعبد الجماعات المتكثرة ، وذلك ان كل من توهمت في جانبه جلب نفع أو دفع ضرر أو ثناء أو توقير عكفت على اشراكه مع اللّه تعالى في العبادة ( وأنت خ ل ) ككثير غرّة يعشق كل جميلة يراها أو يسمع بها حتى عاب الشعراء وأهل العشق عليه ذلك فقالوا كثير ما هذا التقلّب في الهوى . وبالجملة فأهل الأصنام في عبادتها أوثق منك وأثبت قدما فاعتبروا يا أولي الأبصار وأيضا فإن أهل الأصنام انّما عبدوا آلهة ولم يستحيوا من اظهار عبادتها بل يفرحون باظهارها واما أنت فلو قيل لك أشركت في عبادة ربك زيدا أو عمر وأحلفت وأقسمت وبرأت نفسك ممّا نسب إليك ، فأنت تعبد من لا تحب الانتساب اليه وهم يعبدون من يمتدحون بالانتساب اليه ، فمعبودهم على هذا أحسن من معبودك ، وأيضا انك قد عرفت انّ أهل الأصنام انّما يعبدونها لا لأنها النّافعة الضّارة بل لأنها تقرّبهم إلى اللّه تعالى الذي هو النافع الحقيقي وأنت ايّها المرائي قد عبدت غير اللّه سبحانه بزعمك انّه النافع والمعطي ولا يخاطر ببالك حالة الريا الا قصر ما طلبته من الحالات عليه ، فمن هذا أيضا صار عبّاد الأصنام أفهم منك وأكثر شعورا . واما الشرك الأخفى فهو أمور : منها ان تغيّر شيئا بالاعتقاد عمّا هو عليه وذلك انّك قد عرفت انّ اللّه سبحانه قد وضع كلّ شيء في محله ومقرّه فمن أتى يغير شيئا وان كان حقيرا كان مشركا ، وهذا معنى ما رواه بريد العجلي عن أبي جعفر عليه السّلام قال : سألته عن أدنى ما يكون به العبد مشركا ، قال : فقال : من قال للنواة أنّها حصاة وللحصاة انّها نواة ثم دان به ، قال شيخنا البهائي رحمه اللّه تعالى : لعل مراده عليه السّلام من اعتقد شيئا من الدين ولم يكن كذلك في الواقع فهو أدنى الشّرك ولو كان مثل اعتقاد انّ النّواة حصاة وانّ الحصاة نواة ثم دان به ، وقد دخل أبو حنيفة واضرابه من فقائهم تحت هذا النّوع من شرك على ما عرفت من أنه يقول علي ( كذا ) وأنا أقول ( كذا ) لكن هذا من أفراد الشرك الجلي الّا انّه لمّا خفي حاله على أكثر النّاس